محمد بن زكريا الرازي

8

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

الأرض إذا كانت تبرد وتجفف وكان الماء يبرد ويرطب لزم من هذا أنه لو كانت الأرض تجفف من قبل أنها تبرد لكان الماء يجفف إذ هو برد ولو كانت تبرد من أجل أنها تجفف ما كان الماء يبرد إذ هو يرطب ولو كان الماء يرطب من أجل أنه يبرد لكانت الأرض ترطب لأنها تبرد ولو كان الماء يبرد من أجل أنه يرطب ما كانت الأرض تبرد لأنها تجفف . ولو قلنا أن الماء يرطب لرطوبة فيه فإن الأرض يجفف ليبس فيها ما كان محالا لأن بردها لو كان هو الرطب لما ظهر يبسها دون رطوبتها ولما كانت تبرد ولا ترطب وبردها هو رطوبتها فقد وجب لنا من هذه القضية من الثلاثة العناصر برد ويبس ورطوبة . ومن النار حراره قيلت فذلك ما ذكرناه من العناصر الأربعة وهي المبادئ المفردات اللاتي تركبت عنها الأركان الأربعة ومن الأركان الأربعة تركبت النبات وسائر الأغذية ومن الأغذية تكون الأخلاط الأربعة فما كان في تلك الأغذية من الهوائيّة صار دما وما كان فيها من المائيّة صار بلغما وما كان فيها من الناريّة صار صفراء وما كان فيها من الأرضيّة صار سوداء . [ 2 - ومن هذه الأخلاط الأربعة ] 2 - ومن هذه الأخلاط الأربعة تكون الأعضاء المتشابهة الأجزاء وهي : العظام والغضاريف والعصب والعضل والعروق واللحم والشحم والمخ وإنما سمّيت متشابهة الأجزاء لأن الجزء منها يشبه الكل ويسّمى باسمه . ومن الأعضاء المتشابهة الأجزاء تتركب الأعضاء الآلية مثل اليد والرجل والكبد والمعدة والأمعاء والمثانة . وكل عضو من آلة البدن هو مركب من شيئين فصاعدا لا يشبه أحدهما صاحبه ولا يسمّى باسمه . فما كان في الغذاء من أرضية صار عظما وما كان دون ذلك في الغلظ صار عصبا وما كان ألين من مادة العصب صار منه اللحم وبحول اللحم فيصير شحما . فأما الشعر والظفر فمن فضل يابس تدفعه الطبيعة وبقدر منافذ الجلد في ضيقها وسعتها يغزر الشعر ويدق كما يغزر الريش لكثرة منافذه ويغلظ لسعة منافذه ويدق الوبر لضيق منافذه . فأما العظم فإنه يرسب في البدن